Politices, Religion, مقالات, الدين, سياسة

فرسان الظلام


من الملاحظ مؤخراَ بأن هناك الكثير من الناس اختلطت عليهم مفاهيم الإحترام والإجلال والتقديس، ولعل المشاحنات التي حدثت في رمضان الماضي في مواقع التواصل الإجتماعي وما زالت تحدث، أبرزت كمية الجهل المتفشي لدى فئة كبيرة، وربما أبالغ عندما أقول فئة كبيرة، لأن هناك الكثير من الحسابات الوهمية والعشرات منها لربما تعود لشخص واحد، ولا أريد أن اتبحر كثيرا في مسألة الحسابات الوهمية التي تبذل الجهد الجهيد لتضخيم رأيها وأهميته الذي بات غير مقبول وغالباَ مستهلك.
 
على مر التاريخ وفي جميع المجتمعات المختلفة التي تتسم بتقديسها لتراث معين ومثيولوجيا معينة، كل مفكر وفيلسوف يأخذ مساراَ مختلفاَ عن المعتقدات التي يؤمن بها غالبية مجتمعه، فإنه يصبح غالباً من المنبوذين والمحاربين، يتعرض للأذية وبأبشع أنواعها، ففي أزمنة القوانين الجاهلية والتي يسيطر عليها رجالات الاديان قد يرجم المرء بالحجارة أو يعذب هو وأتباعه كما حدث مع نبينا محمد، فالكل في نهاية الأمر يرفض أي فكر جديد، وقد يعلق ويصلب كما فعل اليهود والرومان بنبينا عيسي عليه السلام أو شبيهه على  أو غيره من أصحاب الرسالات الجديدة، وقد يوضع في خندق وتطرم عليه النار كما فعلوا بسيدنا ابراهيم عليه السلام، ولا ننسى العالم جاليليو الذي عذبته الكنسية ونكّلت به وأرغمته على التراجع عن أفكاره حول مركزية الشمس وثبوتها ودوران العالم حولها، ولا ننسى حبس أبو العلاء المعري رائد النباتيين والذي قال جمتله الشهيرةلا إمام سوى العقل، فالعقل وحده وهو الذي يشيرللإنسان في صبحه ومسائه، والذي حيّر الكثيرين إبان حياته ومن بعدها، فلا يزال هناك من يعتقد بزندقته، وآخرين يرون في فلسفته وفكره إخلاصاً وتبجيلاً للواحد الأحد، فمن يقرأ عن زهده تصيبه الصدمة من أن يكون زنديقاً أو ربوبياً كما قيل، ولكنه ما زال يعتبر من فطاحلة الأدباء إلى يومنا هذا، وللأسف بأن تقدير أعماله وحياته لم يأت بثماره إلا بعد وفاته وهكذا هي حال جميع الفلاسفة والمفكرين والأدباء، ولا ضير من ذكر مآسي العظماء الذين عذبوا يوماً والرائجة أقوالهم التي خلدها التاريخ ونجدها اليوم على ألسنة المدعين والمرائين، فنحن نرى بعضهم يتباهى في مواقع التواصل الإجتماعي بحكم وعبر لهؤلاء وهو لا يعلم حتى من القائل، إنما راقت له، وعلى سبيل المثال لا الحصر نرى كثيرين من مدعين الوسطية يكررون عبارة ابن رشدتجارة الأديان هي التجارة الرائجة في مجتمع ينتشر فيه الجهلو عبارة أخرىأكبر عدو للإسلام جاهل يكفر الناسوغيرهاإذا اردت أن تتحكم بالناس فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني، وعندما تتابع هذا الشخص معتقداً بأنه يحترم الفلاسفة والمفكرين تصدم بعد أيام بأنه يتحدث عن ضلالة ابن رشد وزندقة ابن رشد والحاد ابن رشد، لتتسمر نظرتك مطولاً في ما يهذي به، وقد تعنف نفسك على الانجراف العاطفي نحو كل شخص ينقل حكمة جميلة ولكنه يكفر صاحبها الذي ظلم في حياته وطورد وعوقب وأحرقت مؤلفاته!!
كم أود أن اتحدث عن صلب الحلاج أوعن سفك دماء ابن حيان التوحيدي، وتكفير ابن سينا وابو بكر الرازي واغتيال فرج فوده، ولكنني لا أريد أن أجعل هذا المقال أن يكون رثاء للعظماء السابقين فهناك الكثيرين ممن أهتموا ونقلوا ثرواتهم الأدبية إلينا سواءً بالجهود الإعلامية العظيمة لقناة أبوظبي مؤخراً أو حتى عن طريق المثقفين الذين يقدرون قيمة الأدب ويجتهدون في نقله، جل ما أريده هو توجيه الأنظار إلى المفكرين والفلاسفة الذين يعيشون بيننا وفي زمننا هذا وفي محيطنا العربي والإسلامي الذي انجب لنا الكثير من العلماء والمفكرين والذين ظلموا أيضا في نفس المحيط، رغم ما قدموه من أعمال عظيمة خدمت الإنسانية جمعاء، وما يضحكني ويبكيني أن سيناريو التكفير والزندقة مازال قائما برداء مختلف أكثر تطوراً في زمن التكنولوجيا السريع، ومن حسن حظهم فلا وجود لقانون الغاب الذي يرجم ويصلب ويسفك الدم، ولكن بقيت لهم الوسيلة المتاحة لهم في هذه الساحة الافتراضية والتي سمحت بوجودها الحكومات لجعل المجمتع أكثر تفتحاً وأكثر ثقافةً وأكثر وعياً وحريةً، ولكن كالعادة هذه الفئة لا تحترم نعمة حرية التعبير لتتحول إلى حزب متنمر على كل مختلف وعلى كل مفكر، جل همهم أن يكمموا أفواه المختلفين عنهم فيبدأون بالسب والشتم، وإذا لم تتراجع، يقومون بالسخرية منك شكلاً ومضموناً، وإذا تجاهلتهم يفتحون حسابات جديدة حتى يلقوا عليك الحكم بالإلحاد والزندقة، وقد يتمادى البعض بأن يقوم بزرع الفتنة بينك وبين أهلك وأحبائك، وهذا الأمر جعلني أعود إلى ذلك الماضي المظلم والبعيد، حين يتحكم رجال الدين بالفكر، و والعقل، ويلغي مفهوم الإنسانية، ويعامل فيه المختلف بالنبذ والإقصاء، لأكتشف بأن آفة التنمر ليست حديثة العهد بل موجودة منذ قديم الزمان، ولم يسلم منها لا نبي ولا مفكر ولا عالم.
قد لا نلوم ما قبل الإسلام من ظلامية وبربرية في تصرفات البعض، ولكن ماحدث بعد زمن الرسول يجعلنا، نقف على حيرة من أمرنا، ففي زمن الرسول كانت هناك وثيقة المدينة، والتي على اثرها ضمن الرسول حقوق غير اتباعه، ورسم لهم دستور جميل للدولة المدنية، والتي تتمثل بأفضل قيم التسامح والتعايش مع الملل الآخرى وحقوقهم، لنصدم بعد ذلك بقرن أو اثنين أن العالم الإسلامي أصبح يتشكل بنموذج آخر، حيث تلاعب الكثيرين بالأحاديث والقصص والروايات والصقوها بالنبي عليه افضل الصلاة والسلام لخلق عذر معين لحادثة معينة أو لتتوافق مع حالة سياسية معينة، ويتم تكريم هؤلاء ورفع شأنهم ليصبح لأئمة الدين هالة من القدسية بسبب ترحيب الأمراء والخلفاء، ويمتد هذا النمط إلى يومنا هذا، فلحوم هؤلاء العلماء مسمومة، وإذا أردت أن تناقش أمراً فقهياً ينهرونك لأن ذلك ليس من اختصاصك بل اختصاص رجال الدين، في حين أن الذكر الحكيم نزل للناس أجمعين، فمن أين اتت قدسيتهم؟
إن ما يرفضه المفكرين والباحثين الى يومنا هذا هو هالة القدسية التي أحاط بعض العلماء انفسهم فيها، فلا يجوز أن تجادلهم، ولا يسمح لك بأن تناقش رأياً شاذا لهم، وإن لم تقبل رأيهم يرون فيك الضلالة والزندقة، ليس دفاعاً عن الدين أبداً بل دفاعاً عن أصنامهم من الأئمة والعلماء الذين نصبوا أنفسهم موقعين عن الله في الأرض، تعالى الله سبحانه عما يصفون فهو لا يحتاج لموقع عنه على هذه الأرض حين ختم المحرمات في الذكر الحكيم وترك المباح ينظم من قبل البشر، وهم يعيدون الكرة التي ابتدعوها سابقاً حين قال احد الخلفاء بأنه يد الله في الأرض وآخر أدعى بأنه ظله، والمضحك هو تبرير العلماء بقول اللهإني جاعل في الأرض خليفةونصبوا انفسهم بأنهم هم المقصودين بفتوى شرعية أجازت لهم ذلك..
إن ما حدث مؤخراً مع المفكرين والمثقفين أمثال الدكتور عدنان ابراهيم والدكتور محمد شحرور وغيرهم جعلتني استقيظ من سبات نوم عميق، ومن حلم كان جميلاً تدور أحداثه بأن العرب أصبحوا أكثر ثقافةً ووعياً، ولكنني أفقت على كابوس الواقع الذي يقوم على تقديس وعبادة الأئمة والعلماء السلف والذين من المفترض أن يكونوا بحكم بشريتهم معرضين للخطأ والصواب، ويجب أن تضعوا الف خط تحت كلمة للخطأ، وهي من أهم الصفات التي تميزنا نحن بني البشر الألوهية والمعصومية، وظهور الفئة الرافضة لقراءة الذكر الحكيم بصورة معاصرة، ليست لخلل معين في فكر هؤلاء وعلى الرغم من أنني أجزم بأنهم أخطأوا وسيخطئون، ولكنهم مثابرين بتصحيح أخطاؤهم ومفاهيمهم ويعترفون بها بدون أن يراعوا كبريائاً ودونما شعوراً بالإذلال، لأن غالبية المفكرين هدفهم واحد، هو تنوير العقل وتحريره من أغلال فتاوى التكفير والإقصاء والنبذ والكراهية، وتحسين صورة الإسلام التي تم تشويهها عبر القرون الماضية، وتخليصهم من عبودية السابقين من السلف في إثبات عدم معصوميتهم.
كتاب الله هو فيصل لكل الأمور، فالله يقول أقرا، تفكر، تدبر، وهم يحرمون التفكير، ويقدسون النقل على العقل والمنطق، ليضعوا الدين الإسلامي في سجن موحش لا يقترب منه سوى السجانين ممن اعطوا انفسهم الحق بفهم الدين وحرموا جميع ورثته من المسلمين، اخترع أحد هؤلاء العلماء ما يفوق ال 200 فتوى يستتاب وإلا قتل، وإذا ناقشتهم بأمره يرفضون الحديث معك بحجة انك ناشر للشبهة وعدو للدين ولا تستطيع مجاراة فهمهم فمن أراد أن ينقد فتوى أو فكر معين يعتبر ناقص في العقل والعلم ولايحق له أن يبدي رأيه لأنه سيكون قد وصم بالعار على الدين والقبيلة والمجمتع وتدعى زنديق وضال، فيبدأ التحذير من ضلالك المزعوم منهم بالخفاء ثم العلن وليس نصرة للدين بل نصرة لكهنتهم، وما يدهشني بأن هذه الفتاوى غير موجودة في القران ولم يفعلها نبينا الكريم، ومع ذلك انت ممنوع من الخوض ببطلانها أو حتى ردها إلى صاحبها.
يؤسفني أن أرى أمة تدعي أنها تقرأ وهي لاتعرف لمن تنقل، وتكفر من يستخدم عقله رافضاً كل ما يسيء إلى الإسلام وكل ما يشوه رسالته الإنسانية الجميلة.
قد نختلف في تقبل رأي مفكر ما ولكننا يجب أن نحترم هذا الإختلاف، ولكن ظهرت لنا فئة التي نصبت نفسها فرسان للدين، تقف الحاجز بين العقل والإيمان، وهؤلاء الفرسان لايحمون الدين بل يحمون ناقليه بما في نقلهم من شوائب انتجت منها إما إرهابيين أو مرتدين وكارهين حتى لمسمى الإسلام.
 إن تمجيد هؤلاء العلماء على مر هذه العصور الطويلة بالنسبة إلي كان بمثابة المخدر، يعطل العقل، ويسلب الإرادة، فلا أنت تستطيع الاستمتاع بالإرادة التي وهبك لها الله، ولا تستطيع تنفيذ أوامره بالتدبر والتفكر،.
إن الخروج من نفق التبعية العمياء والإدمان لأقوال الموقعين عن الله أمر متعب ولايدرك الأمر إلا من عاش حياتين مختلفتين في آن واحد، فأنت محب للحياة وتتذكر عذاب القبر والثعبان الأقرع والرصاص المذاب بالأذنين، وما أن تكتشف بأن الكثير من هذه الأقوال هي قصص من ذات الكيس الذي جعل من الخليفة ظل الله فأنت تتحرر إلى غير رجعة لتبحر في عالم البحث الروحاني وتعمل كل جهدك لمواجهة فرسان الظلام الذين يدعون حماية الدين وهم يحبسونه في كهف مظلم وبعيد، حيث حرموا الناس من حلاوته وجماله، ولن تتذوقوا حلاوة الدين إلا بعد أن تحررونه من أقوال أناس أكل عليهم الدهر ومحكومين بزمن آخر وقواعد سياسية واقتصادية وحياتيه أخرى

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.